أفلا يتدبرون القرآن

أنور الداود النبراوي

ما أجْملَ، وما أرْوع، وما أسعدَ أن يعيش العبدُ مع كتاب ربِّه الرَّحمن! يستظلُّ بكلام الله، ويَحصد الإيمان، ينعم بلذيذ خطابِه، ويبصر قوَّة ألفاظِه، ينهل من الدُّروس والعبر، ويقْطِف الثَّمر والدُّرر من كلام الحقِّ – سبحانه – ﴿ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴾ [الأحزاب: 4].

القرآن الكريم هو كلامُ ربِّ العالمين، نزل به الرُّوح الأمين على قلْب سيِّد المرسَلين؛ ليَهديَ به البشريَّة، ويرتقي بالإنسانيَّة إلى أفضل السبُل وأقومِها وأسعدها؛ ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: 9].

وهو أكرمُ الصُّحف، والمهيمنُ على جميع الكتب، نزل للتدبُّر والتأمُّل، وأخْذ العِبْرة والموعِظة، يرْتوي المؤمن في ظلالِه من المَعِين العذْب والماء الزُّلال، من نور آيات بيِّنات باهِرات، يسترْوِح النَّسماتِ، ويَسكب العبرات، فتتعانق دموعُ الإيمان بلآلئ القُرآن: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ص: 29].

ذلك التدبُّر المبارك حالَ بينه وبين القلوب المعاصي والغفلةُ والذنوب؛ ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24].

القُرآن الكريم هو خيرُ كتابٍ أُنْزل، وأهله خيرُ النَّاس، وأعلاهم منزلةً؛ قال – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((خيركم مَن تعلَّم القرآن وعلَّمه))؛ رواه البخاري.

منزلتُهم الدَّرجات العالية، ينعمون بالثَّواب والأجْر العظيم؛ ((يُقال لصاحب القُرآن يومَ القيامة: اقْرأْ وارْقَ، ورتِّل كما كنتَ تُرتِّل في الدُّنيا، فإنَّ منزلتك عندَ آخِر آيةٍ كنتَ تقرؤُها))؛ أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وصحَّحه الألباني.

وأهل الإيمان يتلون القرآن، ويعملون به، ويَتَّبعونه، ويُحلُّون حلالَه ويُحرِّمون حرامَه، ويقرؤونَه كما جاء، ولا يحرِّفون الكَلِم عن مواضعه؛ ﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [البقرة: 121].

القرآن الكريم أفضلُ الأذكار، وبحُكمه تهدأُ الأفْكار، وتُشرق الأنوار، متى ما قرأه المؤمن بحضور قلْب، وصوت حسن، خاشعًا متدبِّرًا لِمَا يقْرأ؛ قال – تعالى -: ﴿ وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرتِيلاً ﴾ [المزمل: 4]، وقال – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((زيِّنوا القُرآنَ بأصواتِكم))؛ رواه أصحاب السنن، وصححه الألباني.

قال فقيه هذه الأمَّة وحَبْرُها عبدالله بن عبَّاس – رضِي الله عنْهُما -: “اقرأْ قراءةً يَعيها قلبُك، وتُسمع أُذنيك”.

وقال عبدالله بن مسعود – رضِي الله عنْه -: “لا تَنثروه نَثْر الدَّقل، ولا تهذُّوه هذَّ الشِّعر، قفوا عندَ عجائبِه، وحرِّكوا به القلوب، ولا يكُنْ همُّ أحدكم آخِر السُّورة”.

فالمقصودُ الأعظم أن يصل نورُ القرآن إلى القلوب، فهو نورُ الفؤاد وطريق الرَّشاد، يُزكِّي النفوس، ويَزيد الإيمان، طُمأنينة القلوب وراحتها، لا تكون إلاَّ بذكر الله، وقراءة القرآن؛ ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28]، وهو الشِّفاء والرحمة، ومنَّة الله العليا، بل جَنَّة الدنيا، يوم تستنير عقولُ المؤمنين، وتنصت قلوبُهم، فيكون لأرواحهم ضياء، ولأبدانهم قوَّة وشفاء؛ ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلاَّ خَسَارًا ﴾ [الإسراء: 82].

أهلُ القرآن في سعادة الدنيا، وفَرحٍ برحمة الله وفضله؛ ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [يونس: 58]، وفَضْل الله: الإسلام، ورحمته: القرآن.

ما أطيبَها من حياة، إذا فُهمت المعاني، وظَهر البيان والحِكمة، يومَ تخشع القلوب، ويحيط بها الوجل!

صاحبُ القرآن طيِّبٌ يقرأ أطْيبَ كلام؛ قال – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَثَلُ المؤمنِ الَّذي يقرأُ القُرآن كالأُترُجَّة؛ رِيحُها طيِّبٌ، وطعمُها حلو))؛ متفق عليه، صاحب القُرآن من الذَّاكِرين القانِتِين، وتبتعِد عنْه الشَّياطين.

وهو مِن أهل الله وخاصَّته، تتفجَّر منه ينابيعُ العِلم والحكمة، هو في خشوع وصفاء، ويُبعث يومَ القيامة مع السَّفرة الكِرام البَرَرة؛ قال – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الماهرُ بالقُرآن مع السَّفَرة الكِرام البررة))؛ متفق عليه.

القرآن حُجَّة لأهل القُرآن؛ قال – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((والقُرآن حُجَّة لك، أو عليْك))؛ رواه مسلم، وأحمد، والترمذي.

حجَّة لهم؛ لأنَّهم عاشوا مع القُرآن عِلمًا وعملاً، قراءة وحفظًا، وتدبُّرًا وتداويًا، ومنهجًا وسلوكًا في الحياة الدنيا، ولم يهْجروا كتابَ ربِّهم؛ ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا ﴾ [الفرقان: 30].

كما أنَّ أهلَ القرآن يرفُلون في ثوبِ الهداية والبصيرة في الدُّنيا، فهُم في الآخِرة في أَمْنٍ وفلاح؛ ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى ﴾ [طه: 123]، كما أنَّ القُرآن مِفتاحٌ للأعمال الصَّالحات، ومعين على التِّجارات الرَّابحات، وقائدٌ إلى الجنَّات؛ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ [فاطر: 29 – 30].

ويقول – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن قرأَ حرفًا مِن كتاب الله، فله حَسنةٌ، والحسنة بعشرِ أمثالها))؛ رواه الترمذي، والحاكم، وصحَّحه الألباني.

بيْنما هو حُجَّةٌ على المعرِضين يومَ هجروا القرآن والعمل به، وأقصَوْه عن حياتهم، فعميتْ أبصارُهم وبصائرهم، وجعلوه نسيًا منسيًّا، فهُم في شقاء الدنيا وعذاب الآخرة؛ ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ﴾ [طه: 124 – 127].

وكان – صلَّى الله عليه وسلَّم – يُحبُّ القرآن، ويحبُّ أن يسمعه مِن غيره.

فعن عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه -: أنَّ رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال له: ((اقرأْ عليَّ))، فقال: أقرأ عليك، وعليك أنزل؟! قال: ((إنِّي أحبُّ أن أسمعه من غيري))، يقول عبدالله: فقرأت عليه النساء، حتى إذا بلغت ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا ﴾ [النساء: 41]، قال: ((كف، أمسك))، فرأيت عينيه تذرفان؛ متفق عليه.

وإذا جَنَّ الليل وأرخى سدولَه، وأوى – صلَّى الله عليه وسلَّم – إلى فراشه، جمع كفيه، ثم نفث فيهما، فقرأ بالمعوذات، وقل هو الله أحد، ويمسح بهما ما استطاع من جَسدِه، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبلَ من جسده، يفعل ذلك ثلاثًا، ثم يُسْلِم جسده الشريف، ورُوحه الطاهرة في طُمأنينة وإيمان.

مِن سُبل تدبر القرآن الكريم:

قال الزَّركشي – رحمه الله -: “مَن لم يكن له عِلم وفَهْم، وتقوى وتدبُّر، لم يدركْ مِن لذة القرآن شيئًا”.

فمعايشة معاني الآيات أعظمُ سُبل تدبُّر القرآن، وقد كان للصحابة – رضي الله عنهم – أوفرُ حظ، وأعظم نصيب من تدبُّر القرآن؛ لِمَا شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، فحصل لهم الفَهْم التامُّ، والعِلم الصحيح، وإنَّ هذا القرآن لا يَمنح كنوزَه إلاَّ لمَن يُقبل عليه، وكلما خلصت حياةُ الإنسان لله، وتعلَّق قلبه بهَمِّ الآخرة، وصُفِّي من هموم الدنيا، وتطهَّر من لوثة تقديمها على الأخرى، سيجد أُنسًا بالقرآن لا ينتهي.

عن عثمان بن عفَّان – رضي الله عنه – قال: “لو أنَّ قلوبَنا طهرتْ ما شبِعت من كلام ربِّنا، وإنِّي لأَكْره أن يمرَّ عليَّ يومٌ لا أنظُر في المصحف”.

يقول عبدالله بن شدَّاد: “سمِعْتُ نشيجَ عمر – رضي الله عنْه – وأنا في آخِر الصُّفوف، وهو يقرأ: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: 86]”.

قال ابن القيم: “إذا أردتَ الانتفاع بالقرآن، فاجمعْ قلبَك عند تلاوته وسماعه، وألْقِ سمعك، واحضرْ حضورَ مَن يُخاطبه به مَن تكلَّم به – سبحانه – منه إليه، فإنَّه خطابٌ منه لك على لسان رسوله – صلَّى الله عليه وسلَّم”.

فهم المعاني ودلائل الألفاظ:

﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ص: 29]، بأن يفهمه ويفقهه، ثم يتدبره ويعتبر به؛ ﴿ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “دخل في قوله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((خيركم مَن تعلَّم القرآن وعلَّمه)) تعليمُ حروفه ومعانيه جميعًا؛ بل تعلُّم معانيه هو المقصود الأوَّل”.

قال عبدالله بن عمر:” تعلَّمْنا الإيمان، ثم تعلَّمْنا القرآن، فازددنا إيمانًا”.

﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24]، وتدبر الكلام بدون فَهْم معانيه لا يمكن؛ ولذلك قال – تعالى -: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [يوسف: 2].

قال الشنقيطيُّ: “هو النُّور الذي أنزلَه الله ليُستضاءَ به، ويُهتدى بهداه في أرْضه، فكيف تَرضى لبصيرتك أن تَعْمى عن النُّور؟!”.

فضل فهم كتاب الله وتعلم أحكامه :

قال ابن عباس – رضي الله عنهما -: “ضمَّني رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – وقال: ((اللهمَّ عَلِّمْه الكتاب))، وفي رواية ((علِّمْه الحِكمة))؛ رواه البخاري.

قال ابن حجر: “المراد بالتعلُّم ما هو أعمُّ مِن حفْظه والتفهُّم فيه”، ونقل في معنى الحِكمة أقوالاً كثيرة، ثم قال: “والأقرب أنَّ المراد بها في حديث ابن عبَّاس: الفهمُ في القرآن”.

قال تعالى: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 269].

قال السيوطي: “هي المعرفة بالقرآن: ناسخِه ومنسوخه، ومُحكمِه ومتشابهه، ومقدَّمه ومؤخره، وحلاله وحرامه وأمثاله”.

قال ابن الجوزي: “لَمَّا كان القرآن العزيزُ أشرفَ العلوم، كان الفَهمُ لمعانيه أوفى الفُهوم؛ لأنَّ شرف العِلم بشرف المعلوم”.

فَتَدَبَّرِ القُرْآنَ إِنْ رُمْتَ الهُدَى ♦♦♦ فَالْعِلْمُ تَحْتَ تَدَبُّرِ القُرْآنِ

يقول القاضي التَّابعيُّ إياسُ بن معاوية – رحِمه الله -: “مثل الذين يقرؤون القرآن ولا يعرفون التَّفسير، كمثلِ قوم جاءهم كتابٌ من مَلكِهم ليلاً، وليس عندهم مصباحٌ، فتداخلهم روعةٌ لا يدرون ما في الكتاب”.

وقد عدَّ البيهقيُّ – رحِمه الله – ذلِك من “شعب الإيمان”، فقال: “التَّاسعَ عشر: تعظيمُ القُرآن المجيد، بتعلُّمه وتعليمه، وحِفْظِ حدوده وأحكامه، وتعلُّم حلاله وحرامه”.

يقول ابن مسعود – رضي الله عنه -: “واللهِ الذي لا إلهَ غيرُه، ما أُنزلتْ سورةٌ من كتاب الله إلاَّ أنا أعلم أين نزلت، ولا نزلت آيةٌ من كتاب الله إلاَّ أنا أعلم فيمَن نزلت، ولو أعلمُ أنَّ أحدًا أعلمُ منِّي بكتاب الله تبلغه الإبلُ، لركبتُ إليه، وكان الرَّجل منَّا إذا تعلَّم عشر آياتٍ، لم يجاوزهُنَّ حتى يعرف معانيَهن، والعملَ بِهنَّ”.

قال عمر بن الخطَّاب – رضي الله عنْه -: “قرأتُ اللَّيلة آيةً أسهرَتْني: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ﴾ [البقرة: 266]، ما عني بها؟ ثم أجابه ابن عبَّاس – رضي الله عنهما – وكذلك جرى لابن الزبير – رضي الله عنهما – حيث وقف عند آيةٍ حتى أسهرتْه، وهي قوله: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾ [يوسف: 106]، ثمَّ أجابَه ابنُ عبَّاس – رضي الله عنْهما.

ويقول مجاهد – رحِمه الله -: “عرضتُ المصْحَف على ابن عبَّاس – رضِي الله عنْهما – ثلاث عرضاتٍ مِن فاتِحته إلى خاتمتِه، أُوْقفه عند كلِّ آية منه، وأسأله عنها”.

ويقول القرطبي – رحمه الله – عن نفسه: “فلمَّا كان كتابُ الله هو الكفيلَ بجميع علوم الشَّرع، الذي استقلَّ بالسُّنة والفرْض، ونزل به أمين السَّماء إلى أمين الأرض – رأيتُ أن أشتغل به مدى عُمري، وأستفرغ فيه مُنيتي”.

قال الآجُرِّيُّ – رحمه الله -: “القليل من الدَّرس للقرآن مع التفكُّر فيه وتدبُّره أحبُّ إليَّ مِن قراءة الكثير من القرآن بغير تدبُّر ولا تفكُّر فيه، وظاهر القرآن يدلُّ على ذلك، والسُّنَّة وقول أئمَّة المسلمين”.

وفي موطَّأ مالك: “أنَّ عبدالله بن عمر – رضِي الله عنْهما – مكثَ على سورة البقرة ثماني سنين يتعلَّمها”.

عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: “تعلَّم عمرُ البقرة في اثنتي عشرة سنةً، فلمَّا ختمها نَحرَ جَزورًا”.

حسن الاستماع:

﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الزمر: 18].

وقوله: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الأعراف: 204].

قال وهب بن مُنبِّه: “من أدب الاستماعِ: سُكونُ الجوارح، وغضُّ البصر، والإصغاء بالسَّمع، وحضور العقل، والعزْم على العمل”.

التطلع إلى الفهم:

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق: 37]، لمَن طَهَّر قلبَه، وأصغى سمعه، واستعدَّ إلى التفهم.

قال السَّعدي – رحمه الله – عند قوله – تعالى -: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آَيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ ﴾ [يوسف: 7]: “آيات لكلِّ مَن سأل عنها بلسان الحال، أو بلسان المقال، فإنَّ السائلين هم الذين ينتفعون بالآياتِ والعِبر”.

فمَن تدبَّر القرآن طالبًا الهُدى منه، تبيَّن له طريق الحق.

تيسير الله لطالبه:

﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ [القمر: 17].

يقول مطر الوراق – رحمه الله -: “هل مِن طالب عِلم، فيُعان عليه؟”.

وقال الطبري: “إنِّي لأعجب ممَّن قرأ القرآن، ولم يَعلم تأويلَه كيف يلتذُّ بقراءته؟!”.

وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت: “ما صلَّى النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – بعد أن نزلت عليه {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ}، إلاَّ يقول فيها ((سبحانَك ربَّنَا وبحمدك، اللهم اغفر لي، سبحانك اللهمَّ ربَّنا وبحمدك، اللهم اغفر لي))؛ متفق عليه.

علامات التدبر:

قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ [التوبة: 124].

وقال – تعالى -: ﴿ قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴾ [الإسراء: 107 – 109].

وقال – سبحانه -: ﴿ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ﴾ [مريم: 58]، ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ﴾ [الفرقان: 73].

وقال: ﴿ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴾ [القصص: 53]، وقال: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ [الزمر: 23].

فتحصَّل من الآيات السابقة سبعُ علامات من علامات التدبر؛ هي:

1- اجتماع القلب والفِكر حين القراءة، ودليلُه التوقف تعجُّبًا وتعظيمًا.

2- البكاء مِن خشية الله.

3- زِيادة الخُشوع.

4- زيادة الإيمان، ودليله التَّكْرار العفوي للآيات.

5- الفرح والاستبشار.

6- القشعريرة خوفًا من الله – تعالى – ثم غلبةُ الرَّجاء والسكينة.

7- السُّجود تعظيمًا لله – عزَّ وجلَّ.

حب القرآن:

من علامات حبِّ القلب للقرآن:

1- الفرح بلقائه.

2- الجلوس معه أوقاتًا طويلة دونَ ملل.

3- الشَّوق إليه متى بَعُد العهدُ عنه، وحال دون ذلك بعضُ الموانع.

4- كثرة مشاورته والثِّقة بتوجيهاته، والرُّجوع إليه فيما يشكل.

5- طاعته أمرًا ونهيًا.

العزيز المفقود - الموقع الرسمي
Logo