مظاهر عظمة القرآن

د. محمود بن أحمد الدوسري

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

إنَّ نِعَمَ الله تعالى على عباده كثيرة ومتنوِّعة، وإنَّ القرآن العظيم هو أجَلُّ نعمِةِ أنعمها الله تعالى على عباده؛ ذلك أنَّ الله تعالى قدَّمه في الذِّكرِ على نعمة خلق الإنسان، وعلى نعم كثيرة: قال تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾ [الرحمن: 1-4].

والمتدبِّر للقرآن الكريم يلحظ كثرة الحديث عن عظمة القرآن في جانب كبير من الآيات والسُّور، ولا سيَّما في بداية ونهاية السُّور المكية، وكذلك القَسَم بالقرآن وعليه، والتَّنويه بالقرآن في مفتتح السُّور، والحديث عنه في أواخر السُّور، واقتران أسماء الله الحُسنى بتنزيل القرآن، وكثرة أسماء وأوصاف القرآن، ونزوله في أفضل الأزمنة، وبأرقى اللُّغات وأجمعها، وتيسير فهمه للعالمَين، وهيمنته على سائر كتب الله، وقد نزل للنَّاس أجمعين، ومع ذلك كلِّه تكفَّل الله تعالى بحفظه على مَرِّ السِّنين، كل ذلك يدلُّ على مكانته وعظمته.

والحديث عن مظاهر عظمة القرآن العظيم يدور في الأمور الآتية [1]:

المظهر الأول: كثرة أسماء وأوصاف القرآن.

لقد سمَّى اللهُ تعالى القرآن ووصفه بأسماء وأوصاف كثيرة وردت جميعها في القرآن، إظهاراً لشرفه وعظمته، فكثرة الأسماء والأوصاف تدل على شرف المسمَّى والموصوف.

فالمتأمل – على سبيل المثال – في قوله تعالى: ﴿ حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴾[الدخان: 1، 2]، يجد أن الله تعالى سمَّاه كتاباً، ووصَفَه بأنه مبين[2].

قال الفيروزآبادي: «اعلم أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمَّى، أو كمالِه في أمرٍ من الأمور. أما ترى أن كثرة أسماءِ الأسد دلت على كمال قُوَّته، وكثرة أسماء القيامة دلَّت على كمال شدَّته[3] وصعوبته، وكثرة أسماء الدَّاهية دلت على شدة نِكايتها.

وكذلك كثرة أسماء الله تعالى دلَّت على كمال جلال عظمته، وكثرة أسماء النبي صلّى الله عليه وسلّم دلَّت على علوِّ رتبته، وسموِّ درجته. وكذلك كثرة أسماء القرآن دلَّت على شرفه، وفضيلته»[4].

المظهر الثاني: التنويه بالقرآن في مُفتتح السُّور.

فمن مظاهر عظمة القرآن العظيم أن الله تعالى نوَّه به في مُفتتح أربعٍ وثلاثين سورة.

منها قوله تعالى: ﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 1، 2].

سَمَّى الله تعالى القرآنَ الكريم بأنه ﴿ الْكِتَابُ ﴾. وكلمة (قرآن) معناها: أنه يُقرأ، وكلمة (كتاب) معناها: أنه لا يحفظ فقط في الصدور، ولكن يُدَوَّنُ في السُّطور، ويبقى محفوظاً إلى يوم القيامة، والقول بأنه ﴿ الْكِتَابُ ﴾، تمييز له عن كل كتب الدنيا، وتمييز له عن كل الكتب السَّماوية التي نزلت قبل ذلك.

فالقرآن هو الكتاب الجامع لكل أحكام الله تعالى، منذ بداية الرسالات حتى يوم القيامة، وهذا تأكيد لارتفاع شأنه وتفرُّدِه وسماويته ودليل عظيم على وحدانية مُنَزِّلِهِ جلَّ جلالُه.

ولقد نزلت على الأمم السابقة كتب تحمل منهج الله تعالى، ولكن كل كتاب، وكل رسالة، نزلت موقوتة، في زمانها ومكانها.

حتى جاء الكتاب الخاتم والمهيمن عليها جميعاً والجامع لمنهج الله سبحانه فيما ذُكِرَ فيها، ولذلك بُشِّرَ في الكتب السماوية السابقة بأن هناك رسولاً سيأتي، ويحمل الرسالة الخاتمة للعالَم، وعلى الذين يُصَدِّقون بمنهج الله أن يتَّبعوه، قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ ﴾ [الأعراف: 157].

والقرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي لا يصل إليه أيُّ تحريف أو تبديل أبداً، فَكُتُبُ الله السابقة ائتمنَ الله البشر عليها، فنسوا بعضها، وما لم ينسوه حرَّفوه، وأضافوا إليه من كلام البشر ما نسبوه إلى الله سبحانه وتعالى ظلماً وبهتاناً، ولكن الكتاب العظيم محفوظ من الله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]. وتأمَّل ضمائر العظمة في الآية الكريمة؛ لتعلمَ أنَّه الأشمُّ في العناية الإلهية غير قابل للاختراق.

ومعنى ذلك لا يرتاب إنسان في هذا الكتاب؛ لأن كل ما فيه من منهج الله محفوظ منذ لحظة نزوله إلى قيام الساعة.

وهذا النزول، والحفظ الدَّائم له، يستوجب حمد الله تعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا ﴾ [الكهف: 1].

وفي السُّورة نفسها بَيَّنَ اللهُ تعالى أن هذا الكتاب لن يستطيع بشر أن يُبَدِّلَ منه كلمة واحدة، كما قال تعالى: ﴿ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ [الكهف: 27].

فقوله تعالى: ﴿ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ معناه: «لا مُغَيِّر للقرآن» [5].

وقد نوَّه اللهُ تعالى أيضاً بالقرآن العظيم في مفتتح سورة آل عمران، فقال تعالى: ﴿ الم * اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ﴾ [آل عمران: 1-3] [6].

وهكذا نعرف أن ﴿ الْكِتَابَ ﴾ نزل لِيُؤَكِّدَ لنا، أن الله واحد أحد، لا شريك له، وأن القرآن يشتمل على كل ما تضمَّنته الشَّرائع السَّماوية من توراة وإنجيل، وغيرها من الكتب السابقة.

ونزل القرآن أيضاً لِيُفَرِّقَ بين الحق الذي جاءت به الكتب السَّابقة، وبين الباطل الذين أضافه أولئك الذي ائتُمِنُوا عليه [7].

المظهر الثالث: الحديث عن القرآن في أواخر السور.

ومن مظاهر عظمة القرآن كذلك الحديث عنه في أواخر السور والتي بلغ عددها ثلاثاً وعشرين سورة. من ذلك قوله تعالى: ﴿ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ﴾ [ق: 45].

وقوله تعالى: ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ [المرسلات: 50].

وقوله تعالى: ﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾ [البروج: 21، 22][8].

يعني: ليس القرآن كما يقولون من أنه شعر أو كهانة أو سحر، بل هو قرآن عظيم، بلغ ذروة المجد وعلو الشرف حتى صار مهيمناً على سائر الكتب المنزلة، وهو كتاب كريم؛ لأنه كلام ربِّ العالمين، فهو عظيم الكرم فيما يعطي من الخير، جليل القدر، وهو كريم لما يعطي من المعاني الجليلة والدلائل النفيسة.

يقول الشوكاني – رحمه الله: «ثُمَّ رَدَّ اللهُ سبحانه تكذيبَهم بالقرآن فقال: ﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ﴾؛ أي: متناه في الشرف والكرم والبركة لكونه بياناً لِمَا شَرَعَهُ اللهُ لعباده مِنْ أحكام الدِّين والدُّنيا، وليس هو كما يقولون إنه شعر وكهانة وسحر ﴿ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾؛ أي: مكتوب في لوح، وهو أُمُّ الكتاب، محفوظ عند الله من وصول الشياطين إليه» [9]

المظهر الرابع: القَسَمُ بالقرآن وعليه.

ومن مظاهر عظمة القرآن العظيم أن الله تعالى أَقْسَمَ به وعليه، وقد جاء القَسَمُ بالقرآن وعليه على صفات ثلاث:

الصِّفة الأولى: أقسم الله تعالى بالقرآن في ثلاث سور:

في قوله تعالى: ﴿ يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [يس: 1-3].

وفي قوله تعالى: ﴿ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴾ [ص: 1، 2].

وفي قوله تعالى: ﴿ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ﴾ [ق: 1].

الصِّفة الثانية: أن الله تعالى أقسم على القرآن في ثلاثة مواضع أيضاً، منها قوله تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ﴾ [الطارق: 11-14] [10].

الصِّفة الثالثة: أن الله تعالى أقسم بالقرآن وعلى القرآن في موضعين:

في قوله تعالى: ﴿ حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [الزخرف: 1-3].

وفي قوله تعالى: ﴿ حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ﴾ [الدخان: 1-3].

ومن المعلوم أن المُخاطَب، إن كان على الفطرة التي خُلِقَ عليها، تلقَّى الخَبَرَ بالقَبول والإذعان، فإذا ما اعتراها ما يشوبها، ويكدرها، كانت في حاجة إلى توضيح الخبر وبيانه حتى تُؤمن به وتنقاد له. فإذا أُصيبت بضعف فوق ضعف، فأنَّى لها أن تَسْمَعَ أخباراً أو تُبْصِرَ برهاناً بدون قسم وتأكيد. والمُقْسِمُ إذا ما أراد تحقيقَ أمرٍ أو تأكيدَ خبرٍ نحو مخاطب مُنكِر أو صوب سامِعٍ مُعرِض، فإنما يُقسم بأمر عظيم – لأنَّ التَّعظيمَ مِنْ لوازم القَسَمِ – وذلك ليزول إنكار المنكِر، وليقبل المُعرِض [11].

واللهُ تبارك وتعالى أقسم – مرةً – على تحقيق إنزال الكتاب، فقال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنبياء: 10].

فهذا «كلام مستأنف مسوق لتحقيق حقيقة القرآن العظيم، الذي ذَكَر في صدر السُّورة الكريمة إعراضَ الناس عما يأتيهم من آياته واستهزاءهم به، وتسميتهم تارة سحراً، وتارة أضغاث أحلام، وأخرى مفترى وشعراً،… قد صَدَرَ بالتوكيد القَسَمي لمزيد الاعتناء بمضمونه، وإيذاناً بكون المخاطبين في أقصى مراتب النَّكير؛ أي: واللهِ، لقد أنزلنا إليكم يا معشر قريش ﴿ كِتَابًا ﴾ عظيمَ الشأن نَيِّرَ البرهان» [12]

وأُخرى يُقْسِم – جلَّ شأنه – بكل ما في الوجود من صفات حميدة وآيات عجيبة على صدق القرآن وعظمته، وأنه أعلى من تسميتهم الكاذبة، وأسمى من افتراءاتهم الباطلة. فيقول تبارك وتعالى: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الحاقة: 38-43].

و«قد جَمَعَ اللهُ في هذا القَسَم كل ما الشأن أن يُقسَم به من الأمور العظيمة؛ من صفات الله تعالى ومن مخلوقاته الدَّالة على عظيم قدرته إذ يجمع ذلك كله الصِّلَتان ﴿ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ ﴾، فَمِمَّا يُبصرون: الأرض والجبال والبحار والنفوس البشرية والسَّماوات والكواكب، وما لا يُبصرون: الأرواح والملائكة وأمور الآخرة» [13].

وثالثة يُقسِم عزّ وجل بالقرآن على أنه المعجز لكونه من لدنه، إذ لو كان من صُنع بشر لما عجزوا عن معارضته، لكونهم أرباب اللغة التي نزل بها، أو يُقْسم على صِدق محمد صلّى الله عليه وسلّم، في دعواه الرسالة. يقول تعالى: ﴿ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ﴾ [ق: 1، 2].

ويقول – عَزَّ جاهُه: ﴿ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴾ [ص: 1، 2].

فقد أقسم الله تعالى بالقرآن قَسَمَ تنويه وتشريف. ووصفه بـ﴿ ذِي الذِّكْرِ ﴾؛ لأنَّ ﴿ ذِي الذِّكْرِ ﴾ تُضاف إلى الأشياء الرفيعة الشأن.

والمختار في جواب القَسَمِ وجهان:

أولهما: أن يـكـون محذوفاً دلَّ عليه حرف ﴿ ص ﴾، فإن المقصود منه التَّحدي بإعجاز القرآن وعجزهم عن معارضته بأنه كلام بِلُغَتِهم ومُؤَلَّفٌ من حروفها، فكيف عجزوا عن معارضته؟! فالتَّقدير: والقرآنِ ذي الذِّكر إنه لِمَنْ عند الله، لهذا عجزتم عن الإتيان بمثله.

وثانيهما: أن الجواب محذوف – أيضاً – دلَّ عليه الإِضراب الذي في قوله: ﴿ بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴾ [ص: 2]؛ أي: يجحدون أنه ذِكْرٌ ويقولون: سِحْرٌ مفترًى وهم يعلمون أنه حق [14].

ولا ريبَ أنَّ القَسَم بالقرآن وعليه، فيه تنويهٌ بشأنه، وإبرازٌ لعظمته وشرفه، ومنزلته الرَّفيعة عند الله تعالى.

المظهر الخامس: تَفَضُّلُ اللهِ بإنزالِ القرآن.

من مظاهر عظمة القرآن الكريم أن الله تعالى أثنى على نفسه الشَّريفة لتفضُّله بإنزاله، وعَلَّم عبادَه أيضاً كيف يثنون عليه تعالى من أجل إنزال الكتاب.

فقال: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا ﴾ [الكهف: 1].

من أسباب هذا الثَّناء:

أمَّا لماذا تفضَّل عزّ وجل، ولماذا وجب الحمدُ؟ فهو ما يوضِّحه الشنقيطي – رحمه الله – بقوله: «عَلَّمَ الله جلَّ وعَلا عِبادَه في أول هذه السُّورة الكريمة أن يحمدوه على أعظم نعمة أنعمها عليهم؛ وهي إِنزالُه على نبينا صلّى الله عليه وسلّم هذا القرآن العظيم، الذي لا اعوجاجَ فيه؛ بل هو في كمال الاستقامة. أخرجهم به من الظلمات إلى النور. وبَيَّنَ لهم فيه العقائد، والحلال والحرام، وأسباب دخول الجنة والنار، وحذَّرهم فيه من كل ما يضرهم، وحضَّهم فيه على كل ما ينفعهم؛ فهو النِّعمة العظمى على الخلق؛ ولذا عَلَّمهم ربُّهم كيف يحمدونه على هذه النِّعمة الكبرى» [15].

والله عزّ وجل «يحمد نفسَه المقدَّسة عند فواتح الأمور وخواتيمها، فإنه المحمودُ على كل حال، وله الحمدُ في الأُولى والآخرة» [16].

وإذا كان من دواعي تفضُّله تعالى كونه أنزل الكتاب مستقيماً لا عوج فيه.. فإنَّ من الدَّواعي أيضاً كونه نذيراً.. ومَنْ أنذَرك فقد حَذَّرك، ومَنْ حذَّرك وقَاكَ من الخطر.

وَمِنْ ثَنَاء الله تعالى على نفسِه الشَّريفة لتفضُّله بإنزالِ القرآن قوله تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ [الفرقان: 1].

﴿ تَبَارَكَ ﴾ تفاعل، من البركة؛ أي: تَقَدَّسَ اللهُ رَبُّنا. والبركة كثرة الخير وزيادته. وفي كلمة ﴿ تَبَارَكَ ﴾ معنيان:

1- تزايد خَيْرُه وتكاثَرَ، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا ﴾ [إبراهيم: 34].

2- تزايد عن كُلِّ شيء، وتعالى عنه في ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ [الشورى: 11].

وأصل لفظ ﴿ تَبَارَكَ ﴾: يدل على البقاء، وهو مأخوذ من بروك البعير، ومن بروك الطير على الماء، وسُمِّيَتْ البِرْكةُ بِرْكةً لثبوت الماء فيها، والمعنى: أنه سبحانه وتعالى باقٍ في ذاته أزلاً وأبداً مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ، وباقٍ في صفاته مُمتنِعُ التبدُّل، ولَمَّا كان سبحانه وتعالى هو الخالق لوجوهِ المنافعِ والمصالِح والمُبقي لها، وَجَبَ وصفُه سبحانه بأنه تبارك وتعالى [17].

فهذا بيانٌ لعظمة الله الكاملة، وتفرُّده بالوحدانية من كلِّ وجه، وكثرة خيراته وإحسانه، فمعنى ﴿ تَبَارَكَ ﴾: تَعَاظَمَ وكَمُلت أوصافُه، وكَثُرت خيراتُه، والتي أعظَمُها وأفضَلُها أَنْ نَزَّلَ هذا الفُرقانَ، الفارقَ بين الحلال والحرام، والهدى والضلال، وأهل السَّعادة من أهل الشَّقاوة [18].

المظهر السادس: اقترانُ أسماءِ الله بتنزيل القرآن.

فمن مظاهر عظمة القرآن العظيم أن الله تعالى عَرَّف ببعض أسمائه الحسنى، ذات الأثر البالغ في حياة العباد عند الحديث عن تنزيل القرآن، ليكون إقبالُهم على الكتاب المُنزَّل إقبالَ مَنْ يعرف قدره ويدرك شأنه وعظمته، ويعلم أنَّ مَنْ أنزله يملك تنفيذ وعدِه ووعيدِه.

فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ حم * تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [فصلت: 1-3].

وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ [فصلت: 41، 42][19].

قال الشنقيطي – رحمه الله – عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿ تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [الزمر: 1].

«دَلَّ استقراءُ القرآنِ العظيم، على أن الله جلَّ وعلا، إذا ذَكَرَ تنزيلَه لكتابه، أتْبَعَ ذلك ببعض أسمائه الحسنى، المتضمِّنة صفاته العليا. ففي أول هذه السُّورة الكريمة، ولَمَّا ذَكَرَ تنزيله كتابه، بَيَّنَ أن مبدأ تنزيله كائن منه جلَّ وعلا، وذكر اسمَه: الله، واسمَه: العزيز، والحكيم، وَذَكَرَ مِثْلَ ذلك في أوَّلِ سورة الجاثية، في قوله تعالى: ﴿ حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الجاثية: 1-3]، وفي أول سورة الأحقاف في قوله تعالى: ﴿ حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ ﴾ [الأحقاف: 1-3]. وقد تكرر كثيراً في القرآن، ذِكْرُهُ بَعْضَ أسمائه وصفاته، بعد ذِكْرِ تنزيل القرآن العظيم… ولا يخفى أنَّ ذِكْرَهُ جلَّ وعلا هذه الأسماءَ الحسنى العظيمة، بعد ذكره تنزيلَ هذا القرآن العظيم، يدل بإيضاح، على عظمةِ القرآن العظيم، وجَلالةِ شأنه وأهميةِ نُزولِه» [20].

بمعنى: أنَّ عظمة القرآن من عظمة هذه الأسماء الحسنى، والتي ينعكس من جلالها على هذا القرآن ما يجعله وحده ﴿ الْكِتَاب ﴾ والكتابُ لا ريب.

المظهر السابع: نزوله في أفضل الأزمنة.

الأزمان ليس لها شأن في ذاتها، وإنَّما هي بما ينزل فيها، وما يحدث، والله تبارك وتعالى يخلق ما يشاء ويختار، فاختار سبحانه للأحداث العظيمة أزمنةً معيَّنة، بها تشرف وتسمو، فتكون ملابسةً لهذه الأحداث، وتكون دالَّة على عظمتها وعناية الحقِّ سبحانه بها، ومن هنا يكون التَّفاضل بين الأزمنة، ومن مظاهر عظمة القرآن العظيم أن الله تعالى نزَّله في أفضل الأزمنة؛ في شهر رمضان المبارك، قال تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة: 185].

وقد نُزِّلَ في ليلة مباركة من هذا الشهر المبارك، قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ [الدخان: 3، 4].

وهذه اللَّيلة المباركة هي ليلة القدر والشَّرف والرِّفعة التي قال فيها: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر: 1-3].

«وفي ضمير العظمة وإسناد الإنزال إليه تشريف عظيم للقرآن» [21].

«فبركةُ الليلة التي أُنزِل فيها القرآن بركةٌ قَدَّرها اللهُ لها قبل نزول القرآن ليكون القرآن بابتداءِ نزوله فيها مُلابِساً لِوقتٍ مباركٍ فيزداد بذلك فَضْلاً وشرفاً، وهذا من المناسبات الإلهية الدقيقة التي أنبأنا اللهُ ببعضها» [22].

وسُمِّيت ليلة القدر بهذا الاسم؛ لأن قَدْرَها وشرفَها عند الله عظيم، ومعلوم أنَّ قدرَها وشرفَها ليس بسبب ذلك الزَّمان؛ لأن الزمان شيء واحد في الذَّات والصِّفات، فيمتنع أن يكون بعضُه أشرف من بعض لذاته، فثبت أنَّ قدرَه وشرفَه بسبب أنه حصل فيه أمور شريفة عالية، لها قدر عظيم، ومرتبة رفيعة، ومعلوم أن منصب الدِّين أعلى وأعظم من منصب الدنيا، وأعلى الأشياء وأشرفُها منصباً في الدِّين هو القرآن، لأجل أنَّ به ثبتت نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وبه ظهر الفَرْقُ بين الحق والباطل في سائر كتب الله المنزلة، وبه ظهرت درجات أرباب السَّعادات، ودركات أرباب الشَّقاوات، فعلى هذا لا شيءَ إِلاَّ والقرآنُ أعظم قدراً، وأعلى ذِكراً، وأعظم منصباً منه.

ولو كان نزولُه إنَّما وقع في ليلة أخرى سوى ليلة القدر، لكانت ليلة القدر هي الثَّانية لا الأُولى، وحيث أجمع أهل العلم على أن ليلة القدر وقعت في رمضان، عَلِمْنا أن القرآن إنما أُنزل فيها [23].

[1] انظر: تعظيم شأن القرآن في السور المكية، أ. د. عاطف قاسم المليجي (ص7-40)، عظمة القرآن ودعوته إلى الخير والكمال، د. محمد جمعة عبد الله (ص15-63)، جوانب من عظمة القرآن، د. عبد الباري محمد داود (ص47-58).

[2] تأمَّلْ نماذجَ لكثرة أسماء وأوصاف القرآن في أرقام آيات السور التالية: (البقرة: 145، 256)، (آل عمران: 62، 103، 138، 193)، (النساء: 174)، (المائدة: 48)، (الأنعام: 115، 153)، (الأعراف: 203)، (التوبة: 6)، (يونس: 1، 57)، (يوسف: 2، 3)، (إبراهيم: 52)، (الإسراء: 9، 82)، (الكهف: 2)، (الأنبياء: 50، 105)، (الفرقان: 1)، (الشعراء: 192)، (النمل: 3)، (لقمان: 2)، (الزمر: 23، 33)، (فصلت: 3، 4، 41)، (الزخرف: 4، 44)، (القمر: 5)، (الواقعة: 77)، (الطلاق: 5)، (الحاقة: 48)، (الجن: 1)، (النبأ: 1، 2)، (البروج: 21)، (الطارق: 13).

[3] ذَكَر القيامةَ باعتبار اليوم.

[4] بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز (1/ 88).

[5] تفسير البغوي (3/ 158).

[6] نَوَّه الله تعالى بالقرآن كذلك في مفتتح السور التالية: (الأعراف: 1، 2)، (يونس: 1)، (هود: 1)، (يوسف: 1، 2)، (الرعد: 1)، (إبراهيم: 1)، (الحجر: 1)، (الكهف: 1)، (طه: 1، 2)، (النور: 1)، (الفرقان: 1)، (الشعراء: 2)، (النمل: 1، 2)، (القصص: 1-3)، (لقمان: 1، 2)، (السجدة: 1، 2)، (يس: 1-5)، (ص: 1)، (الزمر: 1، 2)، (غافر: 1، 2)، (فصلت: 1-3)، (الشورى: 1-3)، (الزخرف: 1-4)، (الدخان: 1-3)، (الجاثية: 1، 2)، (الأحقاف: 1، 2)، (ق: 1)، (الرحمن: 2)، (الجن: 1، 2)، (العلق: 1 -5)، (القدر: 1)، (البينة: 1-3).

[7] انظر: تفسير الشعراوي (1/ 113).

[8] جاء الحديث عن القرآن في أواخر السور التالية: (الأعراف: 204)، (يونس: 109)، (يوسف: 111)، (إبراهيم: 52)، (الكهف: 110)، (النمل: 91-93)، (الروم: 58-60)، (ص86-88)، (فصلت: 52-54)، (الشورى: 52-53)، (الدخان: 58-59)، (النجم (59-62)، (الواقعة: 95، 96)، (القلم: 51، 52)، (الحاقة: 48-52)، (المدثر: 54-6)، (الإنسان: 29-31)، (التكوير: 27-29)، (الأعلى: 18، 19)، (البلد: 19، 20).

[9] فتح القدير (5/ 586، 587).

[10] وقد أقسم الله تعالى على القرآن في موضعين آخَرين: (في سورة الواقعة، الآيات: 75 -80)، (وفي سورة التكوير، الآيات: 15-27).

[11] انظر: عناية الله وعناية رسوله بالقرآن الكريم (ص1-3).

[12] تفسير أبي السعود (6/ 58).

[13] التحرير والتنوير (29/ 130).

[14] انظر: التحرير والتنوير (23/ 108).

[15] أضواء البيان، للشنقيطي (4/ 3).

[16] تفسير ابن كثير (5/ 141).

[17] انظر: التفسير الكبير، للرازي (24/ 39)، تفسير البيضاوي (4/ 205).

[18] انظر: تفسير السعدي (3/ 425).

[19] تأمَّلْ نماذجَ لذلك أيضاً في أرقام آيات السور التالية: (آل عمران: 1-3)، (يس: 1-5)، (الزمر: 1، 2)، (غافر: 1، 2)، (الشورى: 1-3)، (الجاثية، الأحقاف: 1-2).

[20] أضواء البيان (7/ 41، 42).

[21] التحرير والتنوير (30/ 402).

[22] المصدر نفسه (25/ 308).

[23] انظر: التفسير الكبير، للرازي (27/ 203، 204).

العزيز المفقود - الموقع الرسمي
Logo