تدبر القرآن

إبراهيم بن عبد الله الدويش

على القاريء لكتاب الله الناشد للتدبر عند الشروع في القراءة أن تكون القراءة بالترتيل والتأني؛ حتى يتمكن من فهم ما يقرأ، فيعرف مقصود كل آية على حسب طاقته وعلمه، ويتأمل الأوامر والنواهي، والتهديد والوعيد، والمواثيق والعهود ثم يفكر في تقصيره فيها، وعندما تعن للقاريء آية يتعثر عليه حفظها أن يُيمم بصره نحو كتب التفسير، فإنها تعينه أشد العون في فهم الآية، وفهم معناها مما يعينه على استظهارها، وينبغي عند قراءة القرآن ألا يكون همُّ القاريء متى أختم، فينثر القرآن نثر الدقل.

لعله من الميسور أن ينضم المُقبل على القرآن لركب السَفَرَةِ الكِرام البَرَرَةِ، كما أنه ليس من الصعب أن يظل القرآن في صدر حامله كالمصباح الذي لا يخبو أبدًا مهما امتدت السنين وتعاقب الدهر، لكن؛ كيف ذا؟

هل يكون بشراب يُحتسى، أو أقراص تبلع فتُعصم من النسيان بقاء العمر، وتجعل القرآن كله عند الحفظ كسورة الكوثر؟ كلا؛ فالأمر يقوم على الإصرار والتصميم، فحين تصحب القاريء النية الصادقة والعزيمة التي لا تعرف الكلل، يجد العون من ربه، ومدخله في هذا هو التدبر.

وقد جاء في أكثر من آية أن المقصد من إنزال القرآن هو التدبر، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص:29]، قال الحسن البصري (ت: 110هـ): “مَا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةً إلَّا وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ فِيمَ أُنْزِلَتْ، وَمَاذَا عُنِيَ بِهَا”. والتدبر ليس نشاطًا تقوم به الجوارح يذهب صاحبها ثم يعود أو يقفز ثم يثبت، أو يخفض صوته ثم يرفعه، فيحصل له التدبر، بل منهج الصحابة -وهم خير أسوة- أنهم جعلوا الحفظ مدخلًا وعاملًا للتدبر والعمل، ووسيلة ومفتاحًا للفهم، فلم يكن الحفظ عندهم غاية يتوقفون عندها، وإنما كان وسيلة لتحقيق غاية كبرى؛ وهي التدبر والفهم والعمل، أما تلقيهم لكتاب الله العزيز فكانوا يتلقون عشر آيات، ولا يجاوزونها حتى يتعلموها، ويتقنوا فهمها، والعمل بها، وبهذه الطريقة تعلموا العلم والعمل والإتقان جميعًا، ولهذا كانوا يبقون مدة طويلة فِي حفظ سورة واحدة، فقد روى البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه: “قرأ البقرة في ثمان سنين”، فالقراءة كانت تعني عندهم الاستظهار، والتعلم، والتطبيق.

وكان العمل عندهم أسهل من الحفظ خلافًا لما عليه سائر الناس، يقول ابن مسعود: “إنَّا صَعُبَ علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسَهُلَ علينا العمل به، وإن مَنْ بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن، ويصعب عليهم العمل به”.

التدبر والتطبيق إذًا هما غاية للحفظ، والتدبر يقوم بالأصالة على فهم السورة فهمًا عامًّا، يلاحظ فيه ترابط أجزائها وتشابكها في ذهن قارئها، بحيث إذا سقط شيء اختل النظام، واحتاج إلى العود من جديد، وهو يحصل للقاريء حين يُحسن التعاطي مع عظمة القرآن، والوقوف على بعض أسراره؛ لأن من عظمة القرآن أنك قد تتدبر آية تعرف معناها، وأنها من الواضحات لديك، ولا تحتاج إلى مزيد تأمل، ولكن ربما تقف عندها مرة أخرى، إذا بك تقف على أسرار وفتوحات وفوائد لم تجل فيما سبق بخاطرك.

ومن عظمته أن فهمك عن الله تعالى وأسرار آياته قد يجعلك تستدرك على من يخلط كلام الله بعضه ببعض، أو ينقله من موضعه الذي هو عليه، نقل ابن الجوزي (ت:597هـ) في تفسيره (1/546) عن الأصمعي (ت:216هـ) أنه قال: “قرأت قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة:38] وإلى جنبي أعرابي فقلت: والله غفور رحيم، سهوًا. فقال الأعرابي: كلام من هذا؟ قلت: كلام الله. قال: أعد. فأعدت: والله غفور رحيم. فقال: ليس هذا كلام الله. فتنبهت؛ فقلت: {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} فقال: أصبت؛ هذا كلام الله. فقلت له: أتقرأ القرآن؟! قال: لا. قلت: فمن أين علمت أني أخطأت؟ فقال: يا هذا، عز، فحكم، فقطع؛ ولو غفر ورحم لما قطع”. وهكذا…فعل المتدبر للقرآن غير الحافظ له.

لكن؛ كيف يتمكن القاريء من التدبر الذي قد يظن بعضهم أنه أمر عزيز الحصول؟

أقول: إن من أهم ما يُعني به القاريء لكتاب الله تعالى حتى يتمكن من التدبر هو: التعظيم للمتكلم سبحانه وتعالى، قال الغزالي رحمه الله (ت:505هـ) في الإحياء (1/281): “…القاريء عند البداية بتلاوة القرآن ينبغي أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم، ويعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر، وأن في تلاوة كلام الله عز وجل غاية الخطر، وأن يكون حاضر القلب يترك حديث النفس، ويتجرد له عند قراءته، وتنصرف همته إليه عن غيره”.

لا يحصل التدبر إذًا بمجرد الحفظ والتكرار والترداد، بل لا بد من عوامل أخرى تجعل قارئه يشعر أن القرآن يتحدث إليه مباشرة، فلو كان التدبر يحصل بمجرد الترداد لكان المسلمون كلهم مطلعين على معاني كلمات قصار السور، التي يحفظونها عن ظهر قلب، ويقفون على شيء من مقاصدها، إلا أنه مما ينبغي التنبه له أن تدبّر القرآن ينتج المطلوب الأهم من تلاوة القرآن، وهو تطبيق حدوده وأحكامه، على أن التدبر والفهم لكتاب الله تعالى يتطلب الأخذ بنصيب من علوم الآلة؛ كعلم اللغة والنحو والبلاغة والبيان، وغير ذلك من العلوم المساعدة، دون الإيغال إلى حد الإغراق فيها.

وعلى القاريء لكتاب الله الناشد للتدبر عند الشروع في القراءة أن تكون القراءة بالترتيل والتأني؛ حتى يتمكن من فهم ما يقرأ، فيعرف مقصود كل آية على حسب طاقته وعلمه، ويتأمل الأوامر والنواهي، والتهديد والوعيد، والمواثيق والعهود ثم يفكر في تقصيره فيها، وعندما تعن للقاريء آية يتعثر عليه حفظها أن يُيمم بصره نحو كتب التفسير، فإنها تعينه أشد العون في فهم الآية، وفهم معناها مما يعينه على استظهارها، وينبغي عند قراءة القرآن ألا يكون همُّ القاريء متى أختم، فينثر القرآن نثر الدقل.

وأخيرًا، ينبغي للقارئ أن يكون له ورد يومي يحافظ عليه، ويلتزم به، وأن يقرأه بترسل وتدبر وتأمل، فقد كره العلماء أن يختم في أقل من ثلاث، ثم هذه وصيتي لهؤلاء:

أخي حامل القرآن منذ نعومة الأظفار، قبل أن تبلغ مبلغ الرجال؛ أتدري أي نعمة أسداها إليك بفضل الله أبوك ومعلمك؟ أتدري أي شيء يملأ جوفك؟ أتدري مع مَن أنت إن استقمت وتخلقت بالقرآن؟

أخي يا من تبيت والرغبة تملأ صدرك أن تكون واحدًا ممن يحمل القرآن بين جوانحه. أخي طالب العلم، أي علم تطلب والقرآن ليس له من جدك وجهدك محل. وَلَدي الطفل، ولدي الشاب والشابة، أخي وأختي في زمن الكهولة، أبي وأمي؛ يجب أن يكون القرآن منطلق الجميع، تدبرًا وحفظًا، ومن كان أكثر تدبرًا للقرآن فهو أرسخ علمًا، وأعمق فقهًا، وكلما تدبرنا الآيات بعمق ودقة زاد فهمنا، وتوسع أفق المعارف لدينا، وكانت الحصيلة على قدر عمق التدبر. وبالله التوفيق، ومنه الهداية والتدبير.

العزيز المفقود - الموقع الرسمي
Logo