لماذا نتدبر القرآن؟ [5]

أ.د. ناصر العمر

الحمد لله القائل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21]، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقائد الغر المحجلين، وبعد:

لقد كان نبيكم صلى الله عليه وسلم يتدبر كتاب ربه، وكيف لا وهو الذي أنزل عليه الأمر بتدبره! فلماذا لا نتدبر القرآن وقد كان محمد صلى الله عليه وسلم يتدبره، وقد كانت لنا فيه أسوة. عن حذيفة رضي الله عنه قال: “صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المئة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ” (رواه مسلم).

وبكى صلى الله عليه وسلم حين قرأ عليه ابن مسعود من سورة النساء قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا} [النساء:41]، فهل تتوقع أن يكون ذلك من غير تدبر؟ وكان يدعو الأمة إلى التدبر وفهم معاني القرآن، فحين نزل قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الْأَلْبَابِ . الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران:190-191]، قال صلى الله عليه وسلم: «ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر فيها» (صحيح ابن حبان [620]).

وقد سار السلف على خطى نبيهم صلى الله عليه وسلم، فأوصوا بالتدبر وضربوا لنا فيه الأمثال، فكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: “ركعتان في تفكرٍ خيرٌ من قيام ليلة بلا قلب”. وكان الفضيل رحمه الله يقول: “إنما نزل القرآن ليُعمل به فاتخذ الناس قراءته عملًا”، قيل: كيف العمل به؟ قال: “ليحلوا حلاله، ويحرموا حرامه، ويأتمروا بأوامره، وينتهوا عن نواهيه، ويقفوا عند عجائبه”.

وعمليًا كان منهم من يقوم بآية واحدة يرددها طيلة الليل يتفكر في معانيها ويتدبرها. ولم يكن همهم مجرد ختم القرآن، بل القراءة بتدبر وتفهم، عن محمد بن كعب القُرَظِي قال: “لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح بـ {إِذَا زُلْزِلَتِ} [الزلزلة من الآية:1]، و{الْقَارِعَةُ} [القارعة:1] لا أزيد عليهما، وأتردد فيهما وأتفكر أحبُّ إليَّ من أن أهُذَّ القرآن”؛ أي: أقرأه بسرعة. ألا ينبغي أن تكون لنا في هؤلاء ومن قبلهم نبينا صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة؟

ألم يبدل الله حالهم بهذا القرآن؟

ألم يشرقوا به ويغربوا فاتحين الأمصار، حاملين خير الدارين للأمم بهذا الكتاب؟

ألسنا بحاجة إلى ما نحل به مشاكل واقعنا المعاصر المعقدة الحادثة؟ بلى والله، ولكن:

ومن العجائب والعجائب جمة *** قرب المراد وما إليه وصول

كالعيس في البيداء يقتلها الظما *** والماء فوق ظهورها محمول

وصدق الله العظيم القائل: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الجمعة:5].

اللهم قد حملنا الأمانة كما حملها جنس الإنسان، فأعنا على القيام بها بتدبر القرآن، فأنت المستعان وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.

العزيز المفقود - الموقع الرسمي
Logo