نماذج من حال السلف والتابعين مع القرآن

عبدالرحمن المحمود

هذا نموذج لسلفنا الصالح رحمهم الله تعالى وحياتهم بالقرآن، ومع القرآن، فإن هذه المسألة -أعني أهمية عودة الأمة إلى كتابها الكريم لتحيا به- ليست مسألة سهلة، وإنما هي مسألة حياة أو موت، حياة في ظل هذا القرآن علماً وعملاً، أو موت  بالإعراض عنه واتخاذه مهجوراً.

هذا أحد أعلام التابعين، كان مشركاً كافراً من بلادِ فارس، ثم وقع أسيراً في إحدى معارك الإسلام زمن الصحابة رضي الله عنهم فأسلم وتعلق قلبه بالقرآن، يقول -مفصلاً قصته الطويلة العجيبة-: “وقعت أنا ونفر من قومي أسارى في أيدي المجاهدين، ثم ما لبثنا أن غدونا مملُوكين لطائفةٍ من المسلمين في البصرة، فلم يمض علينا وقت طويل حتى آمنا بالله وتعلقنا بحفظ كتاب الله”.

وهكذا كان سلفنا من الصحابة ومن بعدهم، كانت بيوتهم عامرة بالإسلام والقرآن، وكان كل من عاش معهم تأثر بهم وبأخلاقهم ومعاملاتهم، وحياتهم الطيبة المعمورة بالقرآن الكريم، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكانوا دعاة إلى الله تعالى بأقوالهم وأفعالهم، ولذلك كان كثير من المشركين وأهل الذمة لا يمضي عليهم وقت حتى يدخلوا في الإسلام.

يقول هذا التابعي- بعد أن ذكر إسلامه وتعلقه بالقرآن، وهو عبد مملوك: “وكان منَّا من يؤدي الضرائب لمالكيه، ومنَّا من يقوم على خدمتهم، وكنت واحداً من هؤلاء، فكنا نختم القرآن كل ليلة مرة، فشق ذلك علينا، فجعلنا نختمهُ مرة كل ليلتين، فشق ذلك علينا، فجلعنا نختمه كل ثلاث، فشق علينا لما كنَّا نعانيه من جهدٍ في النهار وسهرٍ في الليل، فلقينا بعض أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وشكونا لهم ما نكابده من السهر وقراءة كتاب الله، مع قيامنا بخدمة موالينا، فقالوا لنا: اختموه كل جمعة مرة، فأخذنا بما أرشدونا إليه، فجعلنا نقرأ القرآن طرفاً من الليل وننام طرفاً، فلم يشق ذلك علينا”.

وآل أمرهُ إلى امرأة من بني تميم، وكانت سيدة فاضلة مؤمنة، فكانت لا تشقُ عليه في الخدمة، حيث كان يخدمها بعض النهار ويرتاح في بعضه الآخر، فتعلم -مع حفظ القرآن- القراءة والكتابة، وطلب العلم، وعلى رأسه بعد القرآن- حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما ذهب في أحد أيام الجمع لصلاة الجمعة، خرجت معه وقالت أمام الناس: “اشهدوا يا معشر المسلمين، أني أعتقت غلامي هذا رغبة في ثواب الله، وطمعاً بعفوه، وليس لأحد عليه من سبيل إلا سبيل المعروف”، ثم نظرت إليه وقالت: “اللهم إني أدخرهُ عندك ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون”.

فمن هو هذا الإمام الذي قال عن نفسه: “تعلمتُ الكتابة والقرآن فما شعر بي أهلي، ولا ررئيَّ في ثوبي مداد قط؟” إنه أبو العالية، رفيع بن مهران، الإمام المقرئ الحافظ، المفسر الرياحي البصري، أحد أعلام التابعين، أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق، ودخل عليه، وسمع من عدد من الصحابة منهم عمر، وعلي، وأبي ، وأبو ذر، وابن مسعود، وابن عباس، وغيرهم كثير، وقرأ القرآن على أبي بن كعب وابن عباس، بل وعلى عمر بن الخطاب، فقد روي عنه أنه قال: “قرأت القرآن على عمررضي الله عنه ثلاث مرات”، ومع حفظ القرآن وقراءته كان علماً من أعلام الحديث.

ولقد رفعه الله بالقرآن، وبالعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد دخل مرةً على ابن عباس رضي الله عنهما وهو أمير البصرة لعلي رضي الله عنه فرحب به ورفع منزلتهُ، وأجلسه على سريره عن يمينه، وكان في المجلس طائفة من سادة قريش، فتغامزوا به وتهامسوا بينهم، وقال بعضهم لبعض: “أرأيتم كيف رفع ابن عباس هذا العبد على سريره؟” فأدرك ابن عباس ما يتغامزون به، فالتفت إليهم وقال: “إنَّ العلم يزيدُ الشريف شرفاً، ويرفع قدر أهله بين الناس، ويجلس المماليك على الأسرة”، وقد رفع الله أبا العالية بالقرآن حتى قال أبو بكر بن أبي داود: “ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن من أبي العالية وسعيد بن جبير”.

وتعالوا نقف مع بعض وصايا أبي العالية وأحواله مع القرآن:

1- كان يعلم أصحابه كيف يتعلمون القرآن، فقد روى عنه أبو نعيم أنه كان يقول: “تعلموا القرآن خمس آيات، فإنه أحفظ لكم، وإن جبريل كان ينزل به خمس آيات خمس آيات”، وهذا منهج تعليمي تربوي.

2- وكان مهتماً بالصلاة وإقامتها لأنها عمود الإسلام، فكان يزن الناس بها، فقد روى عنه أن قال: “كنت أرحل إلى الرجل مسيرة أيام لأسمع منه، فأتفقد صلاته، فإن وجدتهُ يحسنها أقمت عليه، وسمعت الحديث منه والعلم، وإن أجدهُ يضيعها، رحلت ولم أسمع منه”، وقلت: “هو لما سواها أضيع”. وإنَّ الصلاة لميزان صحيح ودقيق للرجال، وكم من رجلٍ يقال ما أعقله وما أذكاه وغيرها من صفات المدح، ثم تفتش عنه، فتجده لا يعرف المساجد.

3- ولقد أوصى بلزوم القرآن وتعاهده، ونهى في مقابل ذلك عن الأهواء والبدع. روي عنه أنه قال: “تعلموا القرآن، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وإيَّاكم وهذه الأهواء، فإنَّها توقع العداوة والبغضاء بينكم، ولا تحيدوا عن الأمر الذي كان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم”، ولما نقل هذا للحسن البصري، قال: “لقد نصحكم أبو العالية والله وصدقكم”.

4- وكان يعلم أصحابه حقائق القرآن في جوانب الحياة وسعادتها، فقد رُوي عنه أنَّهُ قال: “إنَّ الله تعالى قضى على نفسه أن من آمن به هداه”، وتصديق ذلك في كتاب الله: {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن من الآية:11]. وأن من توكل عليه كفاه، وتصديق ذلك في كتاب الله: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق:3]. وأن من أقرضهُ جازاه، وتصديق ذلك في كتاب الله: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة من الآية:245].

وأن من استجار من عذابه أجاره، وتصديق ذلك في كتاب الله: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [آل عمران من الآية:103].

وأن من دعاه أجابه، وتصديق ذلك في كتاب الله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة من الآية:186].

5- وكان إماماً مجاهداً، حارب الروم في بلاد الشام، كما حارب الفرس في بلاد ما وراءِ النهر، وكان أوَّل من رفع الأذان في تلك الديار -بعد فتحها-.

ولما أراد في إحدى السنين المسير للجهاد في سبيل الله، وأعدَّ عُدته للجهاد، إذا به يجد آلاماً شديدة في رجله، ولم يزل الألم يشتدُّ، فجاءهُ الطبيب وقال له: “إنهُ مصابٌ بالآكلة”، قال: “وما الآكلة؟” قال: “داءٌ يأكل العضو الذي يحل به، ثم ينتقل إلى ما فوقه حتى يأتي على الجسد كله”. وأخبره الطبيب أنه لا بدَّ من بتر ساقه فأذن له وهو كارهٌ لذلك.

ولما أحضر الطبيب مناشيرهُ لنشر العظم، وما يتبع ذلك، قال له: “أتريد أن نسقيك جرعة مخدر لكيلا تشعر بالألم -وهو شديد-؟ فقال أبو العالية رحمه الله: “بل هناك ما هو خير من ذلك”، ثم قال: “احضروا لي قارئاً يتقن كتاب الله، واجعلوه يقرأ عليَّ ما تيسر من آياته البينات، فإذا رأيتموني قد احمر وجهي، واتسعت حدقتاي، وثبت نظري في السماء، فافعلوا بي ما شئتم”، فنفذوا أمره، وبتروا ساقه، فلما أفاق قال له الطبيب: “كأنَّك لم تشعر بآلام الشق والبتر؟” فقال: “لقد شغلني برد حب الله وحلاوة ما سمعتهُ من كتاب الله عن حرارة المناشير”. ثم أخذ رجله بيده، ونظر إليها وقال: “إذا لقيتُ ربي يوم القيامة وسألني: هل مشيتُ بك منذ أربعين سنة إلى محرم، أو مسستُ بك غير مباح لأقولن: لا ولأنا صادقٌ فيما أقول إن شاء الله”.

هذه نماذج لأحوال الصالحين، وهي أحوال وتاريخ أمة الإسلام، فيها عبرٌ وعظات لمن أراد أن يتذكر. والتذكير بأيام الله أمر الله به رسله، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم:5].

وقد فسرت أيام الله بنعمه، كما فسرت بنقمه من أهل الكفر والمعاصي، فالأولُ تفسير ابن عباس ومجاهد، والثاني تفسير مقاتل. والصواب: أنَّ أيامه تعم النوعين، وهي وقائعه التي أوقعها بأعدائه، ونعمه التي ساقها إلى أوليائه، وفي هذه الأيام كثرت الزلازل في بعض بلاد المسلمين، فمن الذي خلقها وقدرها؟ وهل فيها آيات للمسلمين؟ 

العزيز المفقود - الموقع الرسمي
Logo