الخطوات الأربع للتدبر ” تمام “

جمال الهميلي

اقرأ معي – بارك الله فيك -:

♦ ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82].

♦ ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24].

♦ ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ﴾ [المؤمنون: 68].

أظنك مثلي حين قرأتها، ظننت أنها تتحدث عن المؤمنين، الحقيقة أن كل الآيات السابقة الكلام فيها عن غير المؤمنين.

إذًا فالتدبر مطلوب من غير المؤمنين؟! قد يكون هذا الكلام مستغرَبًا، أن الله يعاتب غير المؤمنين بترك التدبر، ولم يعاتب المؤمنين بذلك، ولعل أحد الأسرار – والله أعلم – أن المؤمن أصلًا يقرأ بتدبُّر وبتمعُّن، فهو على يقين أن هذا الكتاب إنما أُنزل من أجل التدبر؛ ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ص: 28].

إذًا فالتدبر ليست قضية ثانوية أو أمرًا اختياريًّا، وإنما هو هدف حقيقي ومقصد شرعي، فالكل يجب أن يتدبر المسلم وغير المسلم، العالم والجاهل، الغني والفقير، الذكر والأنثى، نعم قد تختلف مستويات التدبر، لكنه في النهاية مطلب لا بد منه.

ومن المهم التفريق بين التفسير والتدبر، فالتفسير علم خاص له أهله وناسه، أما التدبر فهو مفتوح لكل صاحب عقل، ونتيجة لهذا الخلط بين المفهومين (التدبر والتفسير)، رأينا الإعراض الكبير من العموم عن التدبر، والاكتفاء بقراءة حروف مجردة لا تحرك قلبًا، ولا تغير سلوكًا لا تجاوز الحناجر.

التدبر هو النظر والتأمل في كلام الله والسعي في استخراج كنوزه العلمية والعملية، وهو بلا شك يختلف بحسب التقوى والعلم والجهد والمؤثرات الخارجية، ومن أجل نشر ثقافة التدبر، وتيسيره يسعدني أن أضع بين يديك – أخي الكريم – تلك الخطوات الأربع الميسرة والمعينة – بعد الله – على التدبر، وهي خطوات تطبيقية جُربت في أكثر من ميدان، وهي متعلقة بالتدبر الشخصي، واختصرتها بكلمة ” تمام “، وهي الأحرف الأولى من كل خطوة:

1- التهيئة: وتتلخص في:

أ‌- القراءة الصحيحة؛ تطبيقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: ((الماهرُ بالقرآن مع السَّفرةِ الكرامِ البرَرَةِ، والذي يقرأ القرآنَ ويتَتَعْتَعُ فيه، وهو عليه شاقٌّ، له أجرانِ))؛ رواه مسلم 798.

ب‌- اختيار الوقت: حين أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بترتيل القرآن أرشده إلى اختيار الوقت، فقال: ﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا ﴾ [المزمل: 6، 7]، فذكر ثلاثة أسباب لاختيار الليل: أشد وطئًا؛ أي: أشد موافقة بين القلب والبصر، والسمع واللسان، والثاني أقوم قيلًا؛ أي: أشد استقامة واستمرارًا على الصواب؛ لأن الأصوات هادئة، والدنيا ساكنة، فلا يضطرب على المصلي ما يقرؤه، والثالث أن النهار وقت غير مناسب؛ لأنك لك فيه سبحًا طويلًا؛ أي: تصرفًا في حوائجك، وإقبالًا وإدبارًا، وذَهابًا ومجيئًا، والسبح: الجري والدوران، ومنه السابح في الماء لتقلبه بيديه ورجليه.

ت‌- التفرغ القلبي: فقبل ﴿ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾ [الشرح: 8]، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ﴾ [الشرح: 7]؛ أي: إذا تفرغت من أشغالك، ولم يبق في قلبك ما يعوقه، فاجتهد في العبادة والدعاء[1]، ومنه السعي في تطهير القلب من الملوثات الفكرية والعواصف الشهوانية.

ث‌- الاستعداد النفسي: وهو حديث النفس بعظمة الكتاب وعظمة الله، لاحظ معي: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴾ ” لماذا كل هذا يا رب، الجواب: “﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ﴾“، فلا بد من الاستعداد لهذا القول الثقيل، والمتأمل في حياتنا يرى أنه كلما عظُمت القضية أو الموضع، كان الاستعداد النفسي لها أهم وأعظم.

ج‌- اختيار كتاب تفسير يكون قريبًا منك؛ من أجل التثبت ومعرفة المجهول، والتأكد من صحة المدلول.

2- الملاحظة:

أهم مهارة في كل حياتنا هي الملاحظة، وهي بوابة الدخول في العلوم المختلفة والفنون المتنوعة، ومنها فن التدبر، وأعني بها هنا استخدام الحواس (السمع والبصر بالذات) في التأمل والنظر في القرآن الكريم؛ من حيث التركيب والترتيب، واختيار الكلمات وغيرها، خاصة إذا كانت ملاحظة غريبة.

3- إعمال الفكر:

التفكير من أعظم النعم الربانية، والتفكير خطوة لاحقة للملاحظة، فمن لاحظ لا بد أن يفكر، وإعمال الفكر في تدبر القرآن مجاله واسع وكبير، ولا يمكن الإحاطة به في هذه العجالة، ولكن “يكفي من القلادة ما يحيط بالعنق “، وسأكتفي بذكر ثلاثة أمثلة على اصناف إعمال الفكر في التدبر:

♦ أواخر الآيات: “﴿ مثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾” البقرة، لماذا قال: ” واسع عليم “؟

الجواب – والله أعلم – أن المقام مقام عطاء، فبيَّن الله أن واسع في عطائه، ومن الطبيعي أنك ستسأل من الذي يستحق الزيادة، فقال: “عليم” بمن يستحق من خارجه ومن داخله.

♦ طرح الأسئلة: وهو باب كبير جدًّا:” ﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾“، فمن الجميل أن تسأل مَن هم المتقون؟ فيأتي الجواب: “﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾” ست صفات.

قف معي على الصورة “﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ ﴾

وكأنك تسأل لماذا كل هذا العذاب يا رب؟ وما الأسباب التي أودت بهذا إلى ذلك الجحيم – والعياذ بالله؟

يأتيك بعدها الجواب مباشرة: “﴿ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾.

الاستنباط: الاستنباط في اللغة يُستخدم لكل ما أُخْرِجَ أو أُظْهِرَ بعد خفاءٍ، ونعني به هنا الوصول إلى أمور خفية، نتيجة التأمل والتفكر بعد الملاحظة، تأمل معي في قصة ذي القرنين: ” ﴿ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ﴾” الكهف.

لعلك أدركت أن مَن ظلم بدأ به بالعذاب الدنيوي ثم الأخروي، “نعذبه ثم يرد..”، على عكس المؤمن “الحسنى وسنقول له”، ومنه نستنبط أن الآخرة مقدمة عند المؤمن، والعكس عند غيره.

4- الموافقة:

وتعني عرض نفسك على القرآن وملاحظة مدى توافقك مع أوامره ونواهيه، ثم السعي في سد الفجوات، وردم الثغرات من أجل شخصية قرآنية مستجيبة، وإليك هذا المثال:

الآياتالتقييم الذاتي( العرض)التطويرملاحظات
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ﴾   
1﴿ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾   
2﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾   
3﴿ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾   
4﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾   
5﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾    

كل ما نحتاجه هو التدرب على هذه الخطوات الأربع، وبعد تَكرار التطبيق ستصبح لدينا مهارة تدبُّر القرآن الكريم

بصورة تلقائية؛ مما يفتح لنا الكنوز الربانية بإذن الله.

وطبعًا مما لا يختلف فيه أحد أهمية اصطحاب مثلث العمل الصالح في جميع أعمالنا: الإخلاص، والمتابعة، والدعاء.

فأسأل الله أن يجعل أن تجعلَ القرآنَ ربيعَ قلوبنا، ونورَ صدرونا، وجلاءَ أحزاننا، وذَهابَ همومنا، وأن يرزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيه عنا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


[1] تفسير ابن سعدي.

العزيز المفقود - الموقع الرسمي
Logo